محمد هادي معرفة

306

التفسير الأثري الجامع

عذيرك من محارب ! ألا أراك قد وضعت اللّامة ولم تضعها الملائكة ! فقام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فزعا ، فقال لأصحابه : « عزمت عليكم : لا تصلّوا صلاة العصر حتّى تأتوا بني قريظة » ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فقالت طائفة من المسلمين : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يرد أن تدعوا الصلاة ، فصلّوا ، وقالت طائفة : واللّه إنّا لفي عزيمة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما علينا بأس ، فصلّت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، فلم يعنّف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واحدا من الفريقين ، وخرج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فمرّ بمجالس بينه وبين بني قريظة ، فقال « هل مرّ بكم من أحد ؟ » فقالوا : مرّ علينا دحية الكلبي ، على بغلة شهباء ، تحته قطيفة ديباج . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ليس ذلك بدحية ولكنّه جبريل ، أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب » ، قال : فحاصرهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف « 1 » حتّى يسمعهم كلامه ففعلوا ، فناداهم : « يا إخوة القردة والخنازير ! » قالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت فاحشا ! قال : فحاصرهم حتّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم ونساءهم ، وزعموا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : أصاب الحكم « 2 » وكان حييّ بن أخطب استجاش المشركين على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فجاء إلى بني قريظة فاستفتح عليهم ليلا ، فقال سيّدهم : إنّ هذا الرجل مشئوم فلا يشئمنّكم ، فناداهم حييّ : يا بني قريظة ألا تستحيون ، ألا تلحقوني ، ألا تضيفوني ، فإنّي جائع مقرور . « 3 » فقالت بنو قريظة : واللّه لنفتحنّ له ، فلم يزالوا حتّى فتحوا له ، فلمّا دخل معهم أطمّهم . « 4 » قال : يا بني قريظة ، جئتكم في عزّ الدهر ، جئتكم في عارض برد ، لا يقوم لسبيله شيء ! فقال له سيّدهم : أتعدنا عارضا بردا ، تنكشف عنّا وتدعنا عند بحر دائم ، لا يفارقنا ، إنّما تعدنا الغرور ! قال : فواثقهم وعاهدهم : لئن انقضت جموع الأحزاب أن يجيء حتّى يدخل معهم أطمّهم ، فأطاعوه حينئذ في الغدر بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبالمسلمين . فلمّا فضّ اللّه جموع الأحزاب انطلق حتّى إذا كان بالروحاء « 5 » ذكر العهد والميثاق الّذي أعطاهم ، فرجع حتّى دخل معهم أطمّهم ، فلمّا قتلت بنو قريظة أتي به مكتوفا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال حييّ للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أما واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ،

--> ( 1 ) نوع من الترس . تؤخذ من جلود الإبل . ( 2 ) أمّا أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنفذ حكم سعد ، ففيه كلام ، لعلّنا نتعرّض له في مجال آخر . ( 3 ) المقرور : من أصابه القرّ وهو البرد . ( 4 ) الأطمّ : حصن مبنيّ بالحجارة . ( 5 ) على بعد أربعين ميلا من المدينة .